مسودة القيم والمبادئ
يجب التنبه بداية ان كل قيمنا ، في جوهرها ، هي قيم "انسانية" ؛ بمعنى انها خاصة بالنوع الانساني دون سواه من الانواع المتعددة الموجودة على هذا الكوكب. وان هذه القيم "الانسانية" التي عظمت من شان الانسان والهته ومنحته سلطانا على باقي الكائنات، هي المسؤولة عن تعاظم "القضية البيئية"(وباقي القضايا الاجتماعية والاقتصادية...الخ) والمتمثلة باختصار، بتهديد اسس الحياة على هذا الكوكب ، ولاسيما حياة النوع الانساني. ومن ان النوع الانساني، بحسب العلوم الايكولوجية، جزء لا يتجزأ من شبكة الحياة التي تضم عدد غير معروف ومصنّف من الانواع والكائنات الحية الاخرى (يتحدث بعض البيولوجيين عن وجود 30 مليون نوع، وان معرفتنا الحقيقية لا تتجاوز الخمسة في المئة منها !)، المتصلة ببعضها بشكل في غاية التعقيد... انطلاقا من ذلك، وجب علينا ان نعيد النظر بقيم النوع الانساني، لكي تصبح اقل "انسانية" واكثر تواضعا ، اقل تمايزا وتفردا واكثر اندماجا بالحياة وتشاركا مع باقي الكائنات."اقل انسانية"، بمعنى عدم مركزة كل القيم بالانسان وعلى حساب باقي الكائنات، وبالانسان الحالي وعلى حساب الاجيال القادمة ، وما يبرر اعطاء القيمة للفرد على حساب النوع الانساني ايضا!
التواضع
لعل اهم المبادئ التاسيسية التي يفترض ان نتبناها هي التواضع . التواضع في المكانة بالنسبة الى باقي الكائنات، والتواضع بالمعرفة بالنسبة الى حجم الاشياء التي لا نزال نجهلها. والتواضع تجاه باقي افراد وجماعات النوع الانساني لان الجميع يشترك في وحدة الحياة والمصير ... وعدم الاعتقاد بان الانسان هو مركز الكون "والارقى" والاقوى بين الكائنات وله حق التسلط عليها، بغض النظر عن اي اعتقاد حول مصادر هذا الحق. مع العلم ان النوع الانساني يشكل الحلقة الاضعف في شبكة الحياة ، لناحية كونه الاقل عددا بين كائنات حية كثيرة واقل توزعا جغرافيا (قياسا على مساحة الكوكب ) والاقل قدرة على التأقلم ومقاومة الامراض (النوع الانساني يحتاج الى الاف السنين لكي يتكيف مع سم من السموم في حين تستطيع البكتيريا او الحشرة ان تتكيف معه في بضع سنوات). لا يكاد يتجاوز الكثير من الكائنات في متوسط عمره، قياسا الى اعمار بعض انواع الحيوانات والاشجار التي تعمر آلاف السنين.
هو نوع اتكالي يحتاج الى فترة زمنية قياسية لبلوغ سن النضوج قياسا الى كائنات كثيرة تاخذ استقلاليتها بعد بضعة اسابيع على ولادتها. هو كائن عنيف وعدائي وغير اخلاقي (بالمعنى الانساني) يمكن ان يقتل، لغير دافع البقاء، قياسا الى غالبية الكائنات المعروفة، التي "تقتل" لتاكل وتستمر في العيش ضمن "سلسلة غذائية" محددة ...الخ
هذا التواضع في المكانة والمعرفة ، يمكن ان ينعكس ايجابا على العلاقات الانسانية نفسها، ويخفف من حدة التنافس الذي يعتبر المسبب الاساسي لاختلالات ومشاكل كثيرة ومتعددة بين البشر انفسهم ومع الطبيعة.
نحو تنظيم التنافس
نتعلم من علمي البيولوجيا والبيئة ، ان التنافس علاقة حياتية طبيعية تنشا بين الافراد ذوات الاحتياجات المعيشية المتماثلة ،سواء اكانت تنتمي الى نوع واحد ام الى انواع مختلفة. التنافس بين النوع الواحد هو احدى الاليات الكبرى في حدوث الانتخاب الطبيعي ، حسب دارون. اما التنافس بين الافراد المنتمية الى انواع مختلفة ، فهو من بين احد العوامل التي تؤدي الى انقراض احد الانواع المتنافسة. التنافس بين الحيوانات يكون عادة على الطعام ، وبين نباتات الغابات على الضؤ ، اما بين االكائنات المستقرة في قيعان المسطحات المائية الضحلة ، فقد يكون التنافس على المكان (على سبيل المثال) . والقاعدة، في العادة، هي ان حدة التنافس تزداد، كلما تناقصت الموارد او زادت كثافة(نسل) الاطراف المتنافسة. وهذا ما يعبر تماما عن ازمة النوع الانساني او"القضية البيئية" : تناقص الموارد واستنزافها عبر طرق غير ملائمة من الانتاج والاستهلاك، وزيادة سكان الكوكب عبر طرق غير ملائمة في التحكم بالامراض ... هذا ما يهدد النوع الانساني في وجوده وبقائه.
ويلاحظ المشتغلون بالبيولوجيا التطورية ايضا، ان التنافس لا ينشأ ما دام المورد الطبيعي عامرا بالاحتياجات المعيشية بالقدر الذي يكفي كل الافراد او الانواع الموجودة في المكان الواقع في نطاق هذا المورد، وهذا "التعايش" مالوف بين معظم اكلات العشب. ويصبح التنافس واردا اذا زاد نسل هذه الكائنات عن الحد الذي يتناسب مع ما تمنحه الموارد المتاحة.
هل يعني ذلك اننا يجب ان نحمل شعار وقف التنافس بين افراد وجماعات النوع البشري انقاذا لوجوده؟ قد يبدو شعارا ساذجا، لا بل مناقضا للطبيعة ، كما يبيّن علم البيئة. ولكن كان من السهل ملاحظة ان هناك حالات توازن تشكل حدود هذه المنافسة بالقدر التي تنجم عنها ايضا.
لعل اقسى ما نسعى اليه في هذا المجال هو في حسن تنظيم وادارة هذا التنافس بالمحافة على نوع من التوازن. وذلك عبر ايجاد ديناميكية جديدة للحد من نمو الكثافة السكانية وترشيد استخدام الموارد والتحكم بتاثير البشر في الوسط المحيط بهم عبر تغيير سلوكنا وقيمنا ونموذجنا الانتاجي والاستهلاكي.
التنوع من اجل الاستقرار
الحديث عن التنافس في الطبيعة والمجتمع ، يفترض ان يحملنا ايضا لبحث مسالة التنوع في الطبيعة ، وفي المجتمع البشري ايضا. وكما ارتبطت مسالة التنافس بالتوازن ، يمكن الافتراض ايضا ، ان مسالة التنوع مرتبطة بدرجة الاستقرار. لا تحسم النظريات البيئية في هذه المسالة ، وقد لاحظ البعض انه كلما زادت درجة تنوع الجماعة الاحيائية اصبحت اكثر استقرارا ، في وقت لاحظ البعض العكس. ويبدو ان الجواب الصحيح يخضع "للتعددية"، بمعنى عدم وجود قاعدة تسري على كل الحالات. ولعل التعددية في التاويل والتفسير تساهم ايضا في الرفع من قيمة التواضع الانساني، وفي اعادة التوازن بينه وبين الطبيعة.
الخير في البقاء
لطالما طرح الموضوع الاخلاقي والقيمي عند الشعوب من منظار الفصل بين الخير والشر. انطلاقا من ذلك يصبح السؤال الذي يطرح عل البيئيين، بكل بساطة : ما هو الخير الذي يجب ان نسعى اليه ، الخير المطلق والاعم؟ الجواب البديهي هو ان الخير لدى النوع، ايا يكن هذا النوع ، هو في بقائه اولا. والخير الاعظم للبشرية هو في بقائها وديمومتها. واذا لا تنفصل حياة النوع الانساني عن شبكة الحياة ككل، يصبح الخير الانساني هو في بقاء الحياة عامة، عبر بقاء وتوفر اسسها وشروطها.
الاحترام
لطالما تم تبرير عنف الانسان ، كونه نتيجة طبيعية لعنف الطبيعة نفسها ولمقولتي "الصراع من اجل البقاء" و"الانتخاب الطبيعي". وكنا نعتقد ان "العلم الانساني" في جوهره وفي اهدافه الرئيسية والنهائية، كان يطمح دائما بالاضافة الى تطوير فهمنا للحياة ،الى حل وتفكيك عقدة الخوف من قوى الطبيعة، وليس اخضاعها واحكام السيطرة عليها واستغلالها حتى الاستنزاف. كما كنا نعتقد ان "الحضارة الانسانية" هي في كيفية ترقية الذات الانسانية وايجاد الطرق والسبل للعيش والبقاء بسلام، خارج اطار الصراع الدائم . وان "العقلانية" هي غاية في ذاتها(وليست وسيلة للاحتيال والتذاكي او التعالي على الطبيعة والاخر)، وهي في الاتكال على الذات الانسانية دون سواها وعلى عقل الانسان للتقييم والتقويم وتاسيس المعرفة ولحفظ التوازن الشخصي لكل فرد والتوازن بين الانسان والطبيعة، وهي ليست وسيلة واداة سيطرة واخضاع وتحكم واستغلال واستقواء... واذ لم ينجح العلم ولا الحضارة ولا العقل حتى الان في تحقيق الغايات الاساسية المذكورة ، فلا يعني ذلك اننا نطالب الان بالعودة عن هذه المقولات الثلاث ، الى ما قبلها او الى ما يناقضها، بل الى اعادة تفكيكها وتركيبها من جديد ، الى اعادة عقلنة العقلانية بعد ان افلتت من عقالها ، العودة الى مفهوم ودور العقل الاولي (عقل الشيء تعني ربطه) ،العودة الى تمثيل دور الرابط والموفّق بين القضايا، والتخفيف من الادعاءات كمثل اعطائه دور المبدع الخلاق الذي يشارك الله في الخلق، ولاسيما اذا اعتبر مفهومي الخلق والابداع بمعنى اضافة شيء الى الطبيعة وتحويرها وتحويلها بقصد تملكها(مع العلم اننا لا نؤمن ان هناك عملية خلق شئ من لا شئ)، واذا اعتبر مفهوم "التقدم" بمعنى احكام السيطرة عليها وتطويعها(بدافع حب السيطرة!) وليس التقدم في فهم الطبيعة (الطبيعية والبشرية) بدافع تامين سبل العيش ، والعيش بسلام واستقرار... الخ
والسؤال الذي يطرح هنا : هل دوافع ورغبات حب التملك والسيطرة ، هي دوافع طبيعية واصلية ايضا؟ ام هي مجرد ردود فعل ، ودفاعا عن نفس الانسان من اهواء الطبيعة وقواها؟
كان يفترض ان يحمل "العلم" معنى معرفة هذه الطبيعة وحيث تساهم "العقلنة" في فك عقدة الخوف منها و"التقدم" في مدى القدرة على التناغم معها.
ان الانسان هو ملك الطبيعة وليس العكس . هو جزء من نسيجها وليس سلطان عليها.
وهو يشترك معها في وحدة الحياة والوجود والمصير. فما يصيبه يصيبها، وما يصيبها يصيبه. وعليه ان يستبدل علاقة السيطرة والاستغلال التي يمارسها عليها تاريخيا ، بعلاقة الاحترام والتهيب. واذا لا يمكن انكار حقه الطبيعي في استثمار الطبيعة (بدافع البقاء اصلا)، على ان يكون ذلك على قاعدة احترام متطلبات (لكي لا نقول حقوق) الطبيعة للبقاء والتجدد ايضا.
القيمة الذاتية
ليست القيمة هي لكل ما هو بشري فقط، ولم يعد مقبولا اعتبار ان قيمة كل ما هو غير انساني هي قيمة اداتية فقط (لمصلحة الانسان). كل شئ له قيمة وجودية وحياتية، وان ازدهار ما هو حي على الارض، له قيمة جوهرية وذاتية، وان قيمة الاشكال غير البشرية للحياة مستقلة عن النفع الذي تقدمه للاغراض البشرية الضيقة.
لا يحق للنوع الانساني اذا (ضمن مفهوم الحق الطبيعي المستند الى مصلحة الحياة للبقاء والتجدد) ، كونه كائن يقيم ويقوم، ان تكون له قيمه الخاصة على حساب باقي الكائنات.
المسؤولية
اما حول ادعاء الانسان انه يتميز عن غيره من الكائنات المعروفة بانه كائن "عاقل" وانه كائن اخلاقي "يقيم" ،اي لديه سلم قيمي... فهذا يجعله "مسؤولا" اكثر من غيره ، وعن غيره ربما. ولعل نسبية القيم بين المجموعات البشرية عبر التاريخ وفي التاريخ ، التي توحي بانها غير مطلقة ، هي مدعاة للتواضع الانساني ايضا.
والمسؤولية في القضية البيئية ، هي مسؤولية متعددة الاوجه. مسؤولية اي فرد تجاه نفسه وتجاه باقي الافراد ، ومسؤوليته تجاه باقي الكائنات التي يشترك معها في وحدة الوجود والمصير وعليه ان يحافظ على بقائها، ومسؤوليته تجاه الاجيال القادمة حيث لا يستطيع ان يلزمها بقراراته ويحملها(في المستقبل) مسؤولية تصرفاته(الحالية).
نحو تعزيز حب الامتلاء لا الامتلاك
ان الكرة الرضية ومواردها كافة ، من معدنية ونباتية وحيوانية تشكل ميراثا مشتركا يخص البشرية جمعاء وليست ملكا لاحد في الوقت نفسه. انها بمثابة ميراث لا يمكن التصرف به.
وتسعى الحركة البيئية الى تعزيز حب الامتلاء الداخلي الذي يعتمد على الغذاء الروحي عند الانسان، والتخفيف من وهم حب الامتلاك المادي. حب الامتلاء الفكري وليس حب الاستهلاك المادي... لان في ذلك سعادة اعمق.
فالزيادة المادية في الاستهلاك لا تعني بالضرورة تحسيناً لنوعية الحياة، لا بل قد تعني تهديداً جدياً لشروط ومقومات هذه الحياة.
ثم إن وهم السعادة وحب التملك والاستهلاك لا يقتصران على الأغنياء فقط. الفقراء أيضاً متوهمون، ويساهمون في دفع العالم إلى حافة الهاوية. فلا وجود لفقراء لا يملكون شيئاً، ولا بد من أن تكون لديهم ملكيات صغيرة، ومهما كانت صغيرة، فهم يحرصون عليها ويتعلقون بها كالأغنياء وأكثر. وهم كالأغنياء أيضاً، لديهم رغبة شديدة في المحافظة على ما يملكون وزيادة ممتلكاتهم. وربما يكون لديهم متعة أكبر في امتلاك الأشخاص لا امتلاك الأشياء المادية فقط. وهذا ما يفسر زيادة الولادات في المجتمعات الفقيرة، ربما، وبفتح موضوعنا على مشكلة جديدة لن ندخل فيها في هذه العجالة.
وقد تتوسع دائرة حب الملكية وأوهامه لتشمل بالإضافة إلى المقتنيات والأدوات، الأحبة والأصدقاء والصحة والعقيدة والفكرة... وقد تصل إلى الأسماء والمواقع الاجتماعية والألقاب والمهنة والمركز والصورة التي لدينا عن أنفسنا أو التي نحب أن يرانا بها الآخر... وإلى كل ما من شأنه أن يملكنا بدل أن نملكه، وأن يضللنا ويسلبنا ذاتنا الحقيقية فلا نعود «نحن» ككائنات تتوق إلى التحرر.
على أي حال، ليست السعادة عند البيئيين، في الغنى الذي يعني الزيادة في الملكية أو في الاستهلاك. فليس الغني هو الذي يملك كل شيء، لأن لا أحد يستطيع أن يملك كل شيء، ولا هو الذي يستطيع أن يستهلك الكثير، فلا بدَّ من أن يظل الشعور بالنقص وعدم الاكتفاء يلازمه إذا كان الاستهلاك هدفه. الغني هو الإنسان المستغني، هو الكائن الحر المتحرر من سيطرة الأشياء الخارجية ومن أوهام الحاجات الكاذبة، إنه المستغني عن كل ما هو غير ضروري للحياة.
من هنا، فقد أضحى مطلب المساواة مطلباً بالغ الخطورة اليوم إذا كان على قاعدة تحقيق الثراء لكل الناس والوصول إلى مجتمع الرفاهية والبحبوحة التي تعني القدرة المتعاظمة على الاستهلاك. ويكمن وجه الخطورة في طبيعة المجتمع الاستهلاكي واقتصاد السوق وفي كل ما من شأنه أن يقوم على تعاظم قوى الإنتاج والاستغلال حتى الاستنزاف، وعلى التنمية اللانهائية التي لا تتناسب مع كوكب محدد بموارده المحدودة. من هنا ضرورة إعادة النظر في علم الاقتصاد اليوم الذي يجب أن يستند إلى علم البيئة ونتائجه وإعادة النظر في طريقة الاستهلاك التي يجب أن تلبي الحاجات الضرورية فقط.
والاسئلة الاضافية التي يفترض ان نطرحها على انفسنا: لماذا أصبح الاقتصاد هو الهمّ الأساسي في الحياة؟ ومتى أصبح كذلك؟ لماذا لا نعطي لأنفسنا الوقت الكافي، للتأمل، في ما نحن لا في ما نملك، والتفكير في وجودنا لا في الموجودات؟
الاخلاق البيئية
من الطبيعي ان تتبنى الايديولوجيا الايكولوجية التفسير الطبيعي لنشاة الاخلاق اكثر من التفسير الغيبي.
مع ان الداروينية قد اعترفت بوجود فرق جوهري بين النوع الانساني والنوع الحيواني في مسالة الاخلاق وذلك في ما يتعلق بوجود ما اسماه ب"الضمير"،الذي تميز به النوع الانساني، الا ان داروين لم يبحث عن نشأة هذه الفروقات خارج المعايير التطورية. وهذا يعني ان دارون اعتبر ان الاخلاق تطورت بشكل تدريجي وليس عبر قفزات نوعية. وبقي السؤال لماذا حصل هذا التطور عند النوع الانساني وحده؟
الاشكالية الاخلاقية الثانية التي واجهتها النظرية التطورية هي التالية: لو اقتصر دور "الانتخاب الطبيعي" على تحقيق المنفعة الفردية ، وحيث لا يهم كل فرد الا نفسه في صراعه مع الاخرين من اجل البقاء... لما وجدت "الاخلاق"! لان قوام وقمة الفضائل الاخلاقية هي "حب الغير" او "الايثار" ، كما يسميها البعض. وقوام هذه الفضيلة هو الحساس بالمسؤولية تجاه تحقيق الصالح العام، صالح النوع، او صالح الحياة ، والقيام باعمال تحقق نفعا للغير على حساب القائم بها( بمعنى التضحية بالنفس من اجل الاخر او الغير).ويعرف المتابعون تلك الصيحات التي يطلقها قائد مجموعات بعض الحيوانات عندما يشعر بخطر اقتراب احد المفترسات (ما يسمى بالعدو الطبيعي)للفت انتباه المجموعة، ولكنه في الوقت نفسه، يكون اول من يتعرض لخطر الافتراس...
يرى البعض في "الايثار الانساني" ، المعبر عنه بحب وتضحية الاهل (لاسيما الام) تجاه الاولاد، والعواطف العائلية، والعواطف بين الاحبة... نوع من الملذات الذاتية ايضا.
ويرى فرويد ان الضمير الاخلاقي قد تشكل ، من ظروف "انسانية" ، حين شعر الاولاد بالاثم والندم من جراء قتل الاب بهدف الحصول على الام وكل ما كان يملكه الاب لوحده. وهكذا تم رد الاخلاق في نشاتها والقوانين الاولى مثل تحريم سفاح القربى الى اسباب "انسانية" بحتة ، او ضد "الطبيعة الانسانية"، التي تتشابه مع الطبيعة الطبيعية على المستوى الغرائزي.
الا ان النتيجة على المستوى الاجتماعي واحدة ،فيها تضحية وخروج من الذات للالتقاء بالذات الجماعية ، او اعتبار الذات جزء من الذات العامة والكلية وجزء من شبكة الحياة ودورتها.
معرفة الذات
على المستوى الفردي ، ان نكون بيئيين ، يعني ان نسعى الى بناء وتحقيق الذات وتثقيفها كاولوية على اي نشاط خارجي . الاهتمام بحب المعرفة لذاتها والسعي للفهم العميق والجوهري ، بدلا من حب مجرد تداول المعلومات . واعتبار المعرفة هي في معرفة الذات اولا وليست اداة للسيطرة .
الترشيد
الترشيد ليس شكلاً من أشكال الفقر، أو إنكار الذات، أو حرمان النفس،كما يعتقد البعض. بل هو قيمة إيجابية: هو القيام بالمزيد بأقل ما يمكن ، الأمر الذي تقوم به الحياة دوماً على نحو بديع. ففي الطبيعة توازنات دقيقة واساسية تقوم عليها جميع العمليات الحية . فالنباتات تنبذ الاوكسيجين وتمتص غاز الكربون طوال فترات تعرضها للشمس، فتغني الجو بالاكسيجين.والحيوانات والنباتات تمتص الاوكسيجين وتطلق غاز الكربون اثناء تنفسها ليلا. وكل عملية تخمير في الطبيعة تنتج غاز الكربون. وتتوازن كل هذه الظواهر الثلاثة . وهنا تاتي عملية "اعادة الاستخدام" التي لا غنى عنها لادامة التوازنات الايكولوجية الكبرى ولاستمرار التوازنات الاقتصادية ايضا .
نحو عقد اجتماعي جديد
لقد ظلَّ العقد الاجتماعي الضمني للمجتمعات المقاومة للفناء، طوال ألفيات عديدة، عقد تعاون وتكافل، وتعايش.وقد عبّر جان جاك روسّو عن هذه الأفكار عينها ببلاغة وقوة في كتابه العقد الاجتماعي. فالإنسان حيوان اجتماعي يتشوف الفردية والاستقلال، غير أنه كإنسان ومنزلته ككائن متحضر يعتمدان تماماً على قدرته على قبول الخير الاجتماعي. فإذا كان لإنسان أن يعيش على قدر كمونه، عليه بالضرورة أن يقبل كل المنجزات المجيدة التي اقتناها المجتمع والثقافة وأن يستعملها. فالعطاء والأخذ جوهر الحياة الاجتماعية. لذا فإن عقداً اجتماعياً رشيداً ودائماً لهو عقد تعايشي. ومع ذلك فقد كان روسّو يسبح ضد التيار. فقبله بقرن، أعلن توماس هوبز فكرة أن "الإنسان يفتك بالإنسان". وكانت فكرة هوبز قد قُبلت وأُخذت على محمل الجد أكثر مما ينبغي. وقد أساء التجريبيون، والدارونيون الجدد من بعدهم، قراءة سلوك الطبيعة، باعتبارها بطاشة وعدوانية. لقد خلقنا، في الواقع، عالماً اجتماعياً على صورة "الإنسان يفتك بالإنسان". وحربنا على الطبيعة امتداد لهذه الفكرة. وإن عجزنا عن التفاهم مع الطبيعة ومع الثقافات المختلفة، لا بل مع الكوسموس عموماً، هو نتيجة سعينا وراء فلسفة اجتماعية خاطئة يُلغى ضمنها العقد الاجتماعي. وفي هذا السياق، على إرث كارل ماركس والماركسية عموماً أن يعاد النظر فيه. فنحن نعلم أن تفكيرنا حول العالم يتغير بتغيّره. وهذا من الجلاء بمكان لكل من يمتلك ألفباء الفهم الجدلي. لكن ما ينبغي علينا أن نستعمله ليس العقائد المتحجرة، إنما التفكير الجدلي المبدع. يجب ان نعترف ان كل بنيان اجتماعي هو ابتكار بشري. نحن الآن نحيا في واقع اجتماعي جديد. ويتطلب هذا الواقع أشكالاً جديدة من التفكير الاجتماعي. ونحن على هذا الكوكب من التواصل في أيامنا هذه بحيث إننا لا نستطيع أن نطيق الفلسفة الاجتماعية القائمة على فكرة أن "الإنسان يفتك بالإنسان". فالخطر النووي، وخطر الدمار البيئي يجعلان لزاماً علينا أن نحيا في شكل ما من التعايش – فهذه فرصتنا الوحيدة للنجاة. نحن نحيا في زمان تاريخي لم يسبق له مثيل، لم تعد تنطبق عليه الإيديولوجيات البالية القائمة على افتراض عدم قابلية الطبيعة للنضوب وعدم قابلية العالم للدمار. فعلى إيديولوجيانا الجديدة أن تُصاغ بحيث تضمن نجاة الجنس البشري، وليس طبقة اجتماعية أو أخرى. والتعليم الماركسي الذي يشدد على صراع الطبقات باعتباره يتخلل كل شيء لا يساعدنا في هذا الشأن. بذلك يجب أن يُخلق وأن يتوطد عقد اجتماعي جديد. وعلى هذا العقد الاجتماعي أن يقوم على التعاون، والتعايش، والتكافل؛ وعلى احترام الحياة ، بصرف النظر عن النظام السياسي الذي نعيش فيه والطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها. وأن العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يقوم على نسق القيم الإيكولوجية، أو نوع مشابه من القيم. ويكشف هذا التحليل أكثر عن سبب إمكانية النظر إلى القيم الإيكولوجية كأساس للسلام: فهي في تمكيننا من إيجاد عقد اجتماعي جديد – سيكون تعاونياً وتعايشياً – تمهد السبيل لسلام دائم وعادل. فالقيم الإيكولوجية، بهذا المعنى، قد تصبح العمود الفقري لنظام عالمي جديد. وإن صحَّ هذا، فلا شيء يَعْدِلُها أهميةً. وفي الترويج للقيم الإيكولوجية والجهر بها، لا نبتدع كيانات فلسفية خيالية جديدة، إنما نستخرج المبادئ والبنى التي أثبتت أنها مساندة للحياة في المواطن الإيكولوجية المعقّدة.
الحياة كلها وحدة؛ ونحن جزء منها. ولما كانت الحياة الاجتماعية جزءاً من الحياة بعامة، يجب أن تحكمها قوانين ومبادئ الحياة. وإن عقداً اجتماعياً تعايشياً جديداً هو إلزام للحياة الاجتماعية التي يهددها الدمار النووي والبيئي.
على القيم الإيكولوجية ألا يُنظر إليها كنسق منفصل ومستقل، إنما بالحري كجزء من بنيان أوسع، جزء من فلسفة جديدة ، إذ إن زماننا يتطلب فلسفة جديدة يجب أن تكون عالمية شاملة، وكلانية ، مسؤولة خلقياً ومتماسكة فكرياً.
العمل التطوعي
بالرغم من اعترافنا بان "العمل التطوعي" يمر بازمة عميقة، لا نزال نراهن عليه في حزبنا أيضاً على أن نعيد النظر في مفهومنا وفهمنا له، انطلاقاً من اعترافنا الصريح بالأزمة وصولاً إلى إعطائه معنى جديداً يعبّر عن تطور الأوضاع الداعية إليه بالدرجة الأولى.
بعد أفول ظاهرة «العمل التطوعي» في الأحزاب السياسية «الجماهيرية»، ها هي المنظمات المدنية المسماة «غير حكومية» أو غير سياسية، تعاني الأزمة نفسها بشكل أو بآخر. فمعظم المنظمات أو الجمعيات المدنية العاملة اليوم في الشأن العام تتجه إلى نوع من التخصصية والنخبوية (بمعنى عمل قلّة معينة في موضوع مشترك خاص ومحدد)، وتبتعد عن الحركة الشعبية والمطلبية والتطوعية... مما يستدعي البحث من جديد في حقيقة هذه الظاهرة وأزماتها، إن لناحية التعريف والهوية، أو لناحية الوجود والماهية.
وتطرح هذه الإشكالية نفسها بشكل كبير في الموضوع البيئي. إذ في وقت تجاوز عدد الجمعيات العاملة في هذا الحقل الخاص المسمى «بيئة» المئتي جمعية ، يتراجع العمل التطوعي فيها بشكل دراماتيكي بحيث لا يتجاوز عدد الأفراد «الناشطين»، العاملين في معظمها بشكل تطوعي، عدد أصابع اليد، وأحياناً أقل من ذلك! مما يطرح الأسئلة الآنفة الذكر نفسها ولا سيما منها موضوعَي التعريف والمعنى.
يحمل العمل التطوعي معاني ومستويات عدة. وإذ يتوقف البعض عند معنى العمل من دون أجر أو من دون مقابل مادي، يضيف البعض الآخر أن هذا «العمل» هو بالتحديد في الشأن العام، وأنه مجرد التزام أخلاقي أو أدبي بفكرة أو قضية وبأهداف سامية وقيم عليا (وإن كانت نسبية)، والعمل على تحقيقها. ويبدو أن هذا التعريف فيه الكثير من التجريد والعمومية ويعاني بعض الغموض والضبابية، بحيث يلتقي فيه ويندرج تحته العامل في الحقل الاجتماعي والسياسي مع العامل في الحقل الديني والعامل في كل من الحقل العائلي أو القبلي أو الرياضي... إلخ. وهكذا يضيّع أصحاب هذا التعريف المعنى الحقيقي أو المميّزات الأساسية للعمل التطوعي والتي تقوم على العمل المؤسساتي ضمن مؤسسة مدنية تطوعية خارج المؤسسات الإرثية والجبرية وخارج مؤسسات الدولة.
فإذا كانت المؤسسات الإرثية هي تلك التي ينتمي إليها الفرد عند الميلاد لاعتبارات مسبقة من دون أن يكون له في هذا الانتماء المبكر أي هامش من حرية الاختيار، مثل الانتماء إلى المحلة أو الأسرة أو العشيرة أو الطائفة والمذهب... فالمنظمات المدنية التطوعية(وحزبنا من بينها) هي التي ينضم إليها الأفراد طواعية وإن كان ذلك بطريقة تعاقدية وبشروط ضمنية وصريحة مثل العمر أو درجة التعليم أو المهنة أو موافقة بقية الأعضاء أو على أقل تقدير الالتزام بالمبادئ والقيم وبالنظام الموافق عليه داخل التنظيم، وبحسب ما تقرره الهيئة العامة... إلخ. قد تشترك المنظمات المدنية التطوعية مع مؤسسات الدولة في ما يتعلق بوجود قواعد وضوابط تعاقدية عامة، إلاَّ أنها تختلف عنها في أنها لا تملك حقوقاً قانونية ولا تستخدم القوة والعنف تجاه أعضائها.
يصح تصنيف حزبنا ضمن المنظمات المدنية التطوعية لناحية العمل الإرادي والطوعي في الشأن البيئي العام، أو الأكثر عمومية، بمعنى اختيار العمل مع جماعة معينة بغض النظر عن الانتماءات المذكورة والمتعددة، ومن أجل قضية معينة. إلاَّ أن حزبنا يتميّز عن باقي المنظمات المدنية بميّزات جوهرية قد تعطي للعمل التطوعي بعداً جديداً، بحيث يصبح عملاً إجبارياً لا فكاك ولا مفر منه، وذلك انطلاقاً من قاعدة بسيطة تقول إن كل إنسان هو جزء من بيئة الآخر، والكل محكوم بالعمل مع الكل من أجل إنقاذ هذه «البيئة»، التي تعني «الكل» أيضاً.
إلاَّ أن المشكلة عندنا، في كل عمل تطوعي، وفي الشأن العام، هي في قصر النفَس.إذ سرعان ما يُصاب المتحمسون والمتطوعون بالإحباط (لأسباب كثيرة لن ندخل لان) فيتراجعون.. فمن السهل على هؤلاء العاملين بشكل اختياري وتطوعي ترك العمل وفكّ الالتزام وترك المجال العام والعودة إلى الحياة الخاصة.
ولكن الأمر يبدو مختلفاً حين نتحدث عن العمل في الشأن البيئي تحديداً. فالمسألة البيئية هي المسألة الأولى التي تحمل صفة «العامة» فعلاً، والتي يتداخل فيها العام مع الخاص. فإذا كان كل إنسان هو جزء من بيئة الآخر، ويمكن أن يشكّل له مصدر طمأنينة أو مصدر خطر، فالكل محكوم بالعمل والحوار مع الكل من أجل الوصول إلى شرعة أو اتفاق ما، أو من أجل الوصول إلى عقد اجتماعي ـ بيئي جديد، ينظم علاقات الناس بعضهم ببعض وببيئتهم، على قاعدة توازنات حياتية معينة، تؤمن سلامة البيئة وديمومتها وسلامة الإنسان الذي هو جزء منها. قد تبدأ بإعداد هذه الشرعة أو هذا العقد مجموعة متطوعة صغيرة، وغداً، ربما تصبح أكبر فأكبر... حتى يتم تعميم هذا العقد ويلتزم به كل سكان هذا الكوكب.
قد يجتمع الإنسان مع الآخر بالصدفة، إلاَّ أنه سرعان ما قد يجد نفسه محكوماً بالتعامل والتفاهم معه للعيش معاً على كوكب واحد بحيث يرتبط الكل في وحدة الوجود والمصير. ففي المفهوم البيئي «الآخر» هو الـ «نحن» والـ «نحن» تعني نحن والآخر، والبيئيون يحققون مرادهم وتنجح قضيتهم عندما يصبح الآخرون بيئيين أيضاً. وذلك لأن الآخر هو بيئتنا. من هنا ضرورة استبدال علاقة التنافس بالتفاهم والرفض بالقبول على قواعد حوارية ـ وجودية.
وإذا كان الآخر هو بيئتنا، فإن حزب البيئيين الذي ننشده، هو حزب الآخرين ومن أجلهم أي أنه يناضل من أجل أن يصبح الآخرون بيئيين. وهو حزب لا ينوي أن يلغي الآخرين للحلول محلهم، بل يسعى إلى جعل الآخرين بيئيين فيلغي نفسه.
وعلى أي حال، فإن الحد الأدنى للتفاعل مع الآخر، والذي نلتقيه بالصدفة أو بشكل طوعي أو إجباري بحكم الوجود معاً في مكان واحد وزمن معين... هذا الحد الأدنى هو الحد الديمقراطي القائم على الاعتراف بهذا الآخر مهما كان مختلفاً عنا، واحترامه مهما بدا أنه يخالفنا. والاعتراف بالآخر المختلف يعني عدم السعي إلى إلغائه، بل البدء معه في حوار دائم لتبادل الأفكار والوصول إلى تفاهم معين، أقله أن يبقى الحوار مفتوحاً. ولا بد للوصول إلى ذلك، من تمارين وطول نفَس وصبر... لا بدَّ من تمارين على الممارسة المسماة «ديمقراطية».
وفتح الحوار، يعني الإقرار الضمني بأن الأفكار والمفاهيم نسبية وليست مطلقة، ويمكنها أن تتطور وتتغيّر من خلال التداول والنقاش لتحمل معانٍ جديدة متجددة باستمرار. ومن أصبح لديه قناعات، فعليه أن يناضل لتعميمها لتصبح عامة ولو معدلة. ولو تمّ تعديلها أثناء الحوار.
إن أصعب شيء في الحياة هو العمل، وأصعب شيء في العمل هو العمل الجماعي مع الآخرين. وفي العمل لا بدّ من حركة ما. وفي كل حركة تحريك لعضلات وزحزحة لأفكار. وفي كل حركة أو زحزحة مساومات وتنازلات لا بدَّ من تقديمها لإنجاز العمل الذي نقوم به.
وفي العمل الجماعي خروج من الذات وتنازل عن خصوصيتها وعن ادعائها بفرادتها للقاء الذوات الأخرى، أو للقاء الذات الجماعية والكلية التي تعيش وتلتقي في الوجود الواحد.
وفي العمل في الشأن البيئي العام والجماعي، تخفيف من فردية الإنسان وأنانيته التي يمكن اعتبارها مشكلة المشاكل البيئية والوجودية.
الحوار
كُتب الكثير حول أزمة العمل التطوعي، وأزمة العمل في الشأن العام، إن في الأحزاب السياسية أو في المنظمات غير الحكومية على جميع أنواعها وتلاوينها، والتي بينها المنظمات البيئية، وبقي الجواب عن السؤال لماذا خف الإقبال والحماسة على الانضواء في مثل هذه المنظمات، غير كاف وواف.
يجمع بعض الدارسين لهذه الظاهرة على ردّ الأسباب الرئيسية إلى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد ولا سيما في السنوات الأخيرة بعد نهاية الحرب. والحجة، أن المهتم بالشأن العام، بشكل عام، الذي يريد أن يعمل بشكل تطوعي من دون أجر ومن دون مقابل، لن يستطيع أن يجد الوقت الكافي لذلك، بسبب ضغوط العمل والحاجة.. إلخ.
إلاَّ أن الكثير من المناضلين القدماء الذين كان لهم صولات وجولات في العمل في الشأن العام لا يوافقون على هذا التحليل، كونهم، كما يؤكدون، عملوا في ظروف أشد قساوة في الماضي، وذلك من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كافة، وحتى من الناحية الأمنية... وقد كان للأفكار والإيديولوجيات وقعها وجاذبيتها، برأيهم. أما اليوم، فإن الأزمة، هي أزمة أفكار.
على الرغم من ذلك يمكن القول أيضاً، إن العديد من النضالات والاندفاعات والحركات، كانت قد حصلت نتيجة «موجات» كبيرة وكاسحة كانت تأتي أو تبدأ في الخارج، لدرجة أنها غيبت الكثير من الإرهاصات والتداعيات، وغطت الكثير من النواقص والثغرات ولا سيما الداخلية منها. فكانت الانتصارات «للموجات» أكثر من كونها انتصارات لمجموعات العاملين في الشأن العام. كان الانتصار والتقدم لجاذبية «فكرة التغيير» أكثر من كونه انتصاراً لقناعات الداعين لهذه الفكرة، فكان أن عادت الأشياء إلى طبيعتها بعد أن انحسرت الموجات، فعاد الإنسان «المناضل» إلى ذاته وفرديته، وإلى الاهتمام بحياته الخاصة (الفردية منها والعائلية) كأولوية مطلقة.
وهكذا يتبيّن أن هناك مشكلات داخلية سابقة وحالية قلما اهتم بأمرها المناضلون والمحللون، وهي التي تواجه العمل التطوعي اليوم كما بالأمس.
إن المسألة المسكوت عنها في الخطاب السياسي والاجتماعي المتعلق بالعمل في الشأن العام هي مسألة غياب الديمقراطية، مسألة كيفية إدارة الحوار بشكل ديمقراطي بين المجتمعين أنفسهم على فكرة أو قضية معينة، مهما صغر حجمها وحجمهم أو كبر. فعندما تجتمع مجموعة معينة، أو مجموعة مجموعات، حول الدفاع عن قضية معينة، لا تكون المشكلة في كيفية تحديد القضية نفسها، بقدر ما تكون في كيفية إدارة الاختلافات والآراء حول طريقة كل فرد في مقاربتها. المشكلة في كيفية إدارة الحوار والاتفاق بين المتّفقين! والمفارقة أحياناً، أن بعض المجموعات التي لا تنفك تطالب السلطات بحرية التعبير، لا تحترم في الوقت نفسه حرية الأفراد المنتمين إليها في الاختلاف.
ليست الأزمة في الأفكار فحسب، بل في الأشخاص أيضاً. إنها ليست في المفاهيم والقيم، بل في مصداقية الأشخاص حاملي هذه القيم أحياناً. إنها في «الأنا» عند كل منهم (منا) التي لا تسمع غير صوتها. إن التحدي الذي تواجهه المجموعات العاملة في الحقل العام اليوم، والبيئية ضمنها، هو في كيفية إدارة الحوار في ما بينها، والاعتراف بالآخر المختلف، واحترام الرأي الآخر المغاير. ولا بدَّ من التدرب على فن الإصغاء وإتقانه بالاهتمام نفسه بفن الكلام. ففي حين يهتم المتكلم بمنطق الكلام، يهتم المصغي بحقيقته، والحقيقة ليست ذاتية ولا مفارقة، كما أنها ليست ثابتة وخالدة، إنها متكونة ومتحولة، ويشارك أكثر من طرف في صناعتها واكتشافها.
و«الشراكة» مفهوم أساسي ومركزي في الحركة البيئية، وذلك كون الهدف من النضال البيئي ليس حماية البيئة فحسب، بل جعل الآخر بيئياً عبر الحوار الدائم معه، وليس عبر عزله أو إقصائه.